عبد الله الأنصاري الهروي
248
منازل السائرين ( شرح التلمساني )
وهو أنّ العبد يؤثر اللّه تعالى ورسوله على نفسه ، وهذا الإيثار بحسب مقام العبد ، إمّا إيثار محبّة ، مثل أن يحبّ اللّه تعالى ويحبّ رسوله عليه السّلام أعظم ممّا يحبّ نفسه وماله والوجود كلّه ، وإمّا إيثار كشف ، وهو أن يشهد أنّ الحقّ تعالى هو أولى منه بنفسه ، وقد ورد في التّنزيل قوله تعالى : النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ « 2 » ، ما ذاك إلّا أنّ اللّه تعالى أولى بالنبيّ وبالمؤمنين من أنفسهم ، وهذا المعنى هو أيضا من الإيثار طوعا ، وهو يحسن من فاعله شرعا عادة وحقيقة ، أمّا شرعا ، فإنّ الشّرع ندب إلى الإيثار ، وأمّا عادة فليس أحد من المخلوقات ينكر أنّ الإيثار حسن ، وإن تفاوتت آراؤهم في مواطنه وشروطه ، وأمّا حقيقة ، فلأنّ الحقيقة تستأثر بالأمر كلّه ، فليس لأحد أن يدّعي معها ملكا أصلا ، آثر به ، أو لم يؤثر ، فإنّ الأمر كلّه للَّه ، وإليه يرجع الأمر كلّه ، فيقول : إنّ الأثرة هو استحقاق المأثور ، فإن آثر المؤثر طوعا وصل ذلك إلى صاحبه وهو صاحب الأثرة ، وكان المؤثر قد أحسن ، فهذا معنى قوله : يحسن طوعا . قوله : وتصحّ كرها ، يعني أنّ الحقّ تعالى يستأثر بملك الأشياء كلّها ، وإن كره الجاحدون ، وهي لا تصحّ كرها إلّا بالنسبة إلى اللّه تعالى ، أي يستحقّها ، وإن كره الجاهل أنّها ملكه ، وجميع ما استأثر به المؤمنون من غنائم الكافرين إنّما هو مال اللّه تعالى كانت الأثرة فيه للَّه تعالى ، ثمّ ولّاها المؤمنين ، وهو معنى قوله صلّى اللّه عليه وسلم : « أحلّت لي الغنائم ، ولم تحلّ لنبيّ قبلي » « 3 »
--> ( 2 ) الآية 6 سورة الأحزاب . ( 3 ) أخرجه البخاري في كتاب التيمّم ، وفيه : عن جابر عن عبد اللّه أنّ النبيّ صلى اللّه عليه وسلم قال : أعطيت خمسا لم يعطهنّ أحد قبلي : نصرت بالرعب مسيرة شهرا ، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ، فأيّما رجل من أمّتي أدركته الصّلاة فليصلّ ، وأحلّت لي المغانم ، ولم تحلّ لأحد من قبلي ، وأعطيت الشفاعة وكان النبيّ يبعث إلى قومه خاصّة ، وبعثت إلى الناس عامّة .